محمد متولي الشعراوي

1143

تفسير الشعراوي

وتعالى . إن هذه القضية إنما تثبت اليوم الآخر ، لأن الإيمان باليوم الآخر هو الميزان العقدي فإن استقر في القلب فالإنسان بكل جوارحه يتجه إلى الأفعال التي تسير على ضوء منهج اللّه لينال الإنسان الجزاء الأوفى . إن الإنسان حينما يفهم أن هناك حسابا وهناك جزاء ، وهناك بعثا ، فهو يعرف أنه لم ينطلق في هذا العالم ، ولم يفلت من الإله الواحد القهار ، إنّ للإنسان عودة ، فالذي يغتر بما آتاه اللّه نقول له : لا ، إنك لن تفلت من يد اللّه ، بل لك عودة بالموت وعودة بالبعث . وإذا ما استقرت في أذهان المسلمين تلك العودة ، فكل إنسان يقيم حسابه على هذه العودة . وبعد أن استقر الأمر في شأن الحياة والموت أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجئ بشئ هو ثمرة الحياة في الكائن الحي وأول مظهر من مظاهر الحياة هو الحس والحركة . والحركة في الوجود أرادها اللّه للإنسان ؛ لأنه وهو الحق قد أراد الإنسان للخلافة في الأرض . والخلافة في الأرض تقتضى أن يعمر الإنسان الأرض ، كما قال اللّه سبحانه وتعالى : اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها ( من الآية 61 سورة هود ) إن خلافة الإنسان في الأرض تقتضى أن يتحرك ويعمر الأرض . وحين يريد اللّه منا أن نتحرك ونعمر الأرض فلا بد من أعمال تنظم هذه الحركة ، ولا بد من فنون متعددة تقوم على العمارة . ويوزع اللّه الطاقات الفاعلة لهذه الفنون المتعددة ويجعلها مواهب مفكرة ومخططة في البشر . إن الحق سبحانه لم يجعل من إنسان واحد مجمع مواهب ، بل نثر اللّه المواهب على الخلق ، وكل واحد أخذ موهبة ما . لماذا ؟ لأن اللّه قد أراد أن يتكامل العالم ولا يتكرر ؛ فالتكامل يوحى بالاندماج . فإذا كنت أنت تعرف شيئا خاضعا لموهبتك ، وأنا لا أعرفه فأنا مضطر أن ألتحم بك ، وأنا أيضا قد أعرف شيئا وأنت لا تعرفه ، لذلك تضطر أنت أن تلتحم بي . وهذا اللون من الالتحام ليس التحام تفضل ، إنما هو التحام تعايش ضروري .